المُغْرب في حُلَى المَغرب
لابن سعيد المغربي تـ 685 هـ
طالبة باحثة/ جامعة الحسن الثاني بالبيضاء
تقديم عام:
تعد مصادر التراث العربي الإسلامي من أغنى وأخصب المصادر التراثية في العالم، كما وكيفا في عمقها وسعتها وشموليتها، مما يجعل الضرورة واردة للاهتمام بها والحفاظ عليها صيانة أو تحقيقا أو دراسة أو طبعا أو نشرا من أجل إثبات الهوية العربية والحفاظ على الشخصية الإسلامية من جهة، ومن جهة أخرى بغية وصل الحاضر بالماضي لمواكبة تطورات العصر ومسايرة مستجداته.
وسأحاول في هذا العرض أن أقدم بين أيديكم قراءة متواضعة لمصدر من أهم مصادر تراثنا المغربي الأصيل المُغرب في حلى المغرب من تأليف ستة من علماء المغرب بالموارثة، خمسة منهم من أسرة واحدة كان خاتمهم علي المشهور بابن سعيد المغربي الذي تم على يده تأليف الكتاب بالصيغة النهائية ونشره بعد ذلك بين الناس.
وقد اعتنى بهذا المصدر الذي يجمع بين دفتيه العديد من المعارف التاريخية والأدبية الدكتور شوقي ضيف رحمه الله، وعمل على تحقيقه وطبعه عدة مرات بدار المعارف بمصر في جزئين، الطبعة الأولى كانت سنة 1953م، وكانت الطبعة الرابعة والأخيرة سنة 1993م.
ولقد قسمت هذا العرض إلى المحاور التالية:
· نضرة عامة حول عصر ابن سعيد وحياته.
· توثيق عنوان الكتاب ونسبته إلى ابن سعيد.
· قيمة الكتاب وموضوعه ومنهجية ابن سعيد في تصنيفه.
· المادة الأدبية في الكتاب.
· المصادر المعتمدة في تأليف الكتاب.
· خاتمة العرض.
1- نضرة عامة حول عصر ابن سعيد وحياته:
عاش ابن سعيد في القرن السابع الهجري مطوفا بين العديد من البلاد الإسلامية شرقا وغربا من الأندلس إلى بلاد الشام: حينها كان العالم الإسلامي يعيش مرحلة مخاض عسيرة بسبب الحروب الكثيرة التي كانت تدور رحاها بين المسلمين والتتار شرقا وبين المسلمين والنصارى غربا واندلاع نيران الفتن والصراعات الداخلية حول الحكم بين المسلمين أنفسهم على أكثر من جهة، فالأندلس عرفت انهزام الموحدين في موقعة العقاب، تلاها بعد ذلك سقوط العديد من الحواضر الأندلسية في يد الصليبين وانهيار الموحدين سنة 660 هجرية على يد الدولة المرينية التي قامت على أنقاضها واستطاعت خلال فترة قليلة من الزمن أن تغزو الإسبان وتسترجع منهم بعض المدن الأندلسية.
وعلى الرغم من تدهور الأوضاع السياسية التي أثرت بشكل كبير في الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، فإن العالم الإسلامي عرف ازدهارا علميا وثقافيا كبيرا بسبب كثرة رحلات العلماء والأدباء، فنشطت العلوم الشرعية واتسعت دائرة الحركة الأدبية ونبغ العديد من العلماء في مختلف العلوم والمعارف وعلى رأسهم ابن سعيد المغربي موضوع عرضنا هذا، فمن هو ابن سعيد ؟
حياة وشخصية ابن سعيد في سطور:
هو علي بن موسى بن محمد بن عبد الملك بن سعيد، ينتهي نسبه إلى الصحابي الجليل عمار بن ياسر، يكنى بأبي الحسن وبنور الدين، وهما من الكنى والألقاب التي شاعت في المشرق بشكل كبير. ولد سنة 610 هـ بنواحي غرناطة، من أسرة عريقة في الحسب والنسب، والعلم والقيادة والوزارة والقضاء والكتابة، قضى فترة طفولته بغرناطة، وفترة شبابه بإشبيلية، على يد رواد الأدب والنحو في عصره، وفي سنة 624 هـ وعمره لا يتجاوز 14 سنة سافر مع أبيه إلى مراكش ثم عاد إلى الأندلس متنقلا بين العديد من حواضرها، والتقى خلالها بالكثير من الشخصيات العلمية التي استفاد منها وخصها بالترجمة في كتابه المغرب في حلى المغرب موضوع عرضنا.
وفي سنة 636 هـ سافر مع والده إلى تونس بعد تدهور الأوضاع بالأندلس، مكث بها سنتين والتقى خلالها بكبار علمائها وجمع فيها الكثير من المواد العلمية، ومن تونس انتقل إلى مصر، لقي فيها عددا كبيرا من الشعراء المشهورين والأعيان والعلماء المرموقين، وفي سنة 648 هـ غادر القاهرة إلى مكة، حيث أدى فريضة الحج، ثم توجه إلى العراق وزار خلالها البصرة وبغداد، ثم سافر إلى الموصل ومنها إلى مدينة حلب بسوريا، وفي سنة 652 هـ توجه إلى مكة ليحج مرة ثانية، وبعدها عاد إلى تونس ليلتحق بحاشية أبي عبد الله المستنصر الحفصي، وبسبب المكائد والدسائس التي كانت تحاك ضده غادر تونس إلى المشرق فزار الشام ثم إيران، وتوغل في إقليم أرمينيا ثم عاد في المرحلة الأخيرة في عمره إلى تونس ليقضي بقية حياته إلى حين وفاته سنة 685 هـ.
وهكذا عاش ابن سعيد يجوب أقطار العالم الإسلامي، فاكتسب تجربة ثقافية واسعة ظهرت آثارها جلية واضحة فيما خلفه من مصنفات أدبية وتاريخية وجغرافية، فكان محط اهتمام وثناء من قبل العديد من العلماء الذين جاءوا من بعده، من أمثال ابن الخطيب وابن فضل الله العمري والصفدي والمقري وغيرهم…
وخلاصة القول كان ابن سعيد أديبا شاعرا لغويا رحالة مؤرخا جغرافيا، خلف ثروة ثقافية غزيرة تشهد له بعلو كعبه في كثير من مجالات العلم والمعرفة أذكر من أهمها على سبيل المثال لا الحصر: المرقص والمطرب، رايات المبرزين وغاية المميزين، الغصون اليانعة في شعراء المائة السابعة، بسط الأرض في الطول والعرض وغيرها من المصنفات.
أما مصنفه المُغرب في حلى المغرب فهو كتاب نفيس جليل القدر عظيم الفائدة، ويعد من أمهات المصادر القيمة لتاريخ الأندلس وآدابها عبر عصورها المختلفة، اعتمد عليه الكثير من العلماء القدماء في مؤلفاتهم، نذكر منهم القلقشندي في كتابه صبح الأعشى والمقري في كتابه نفح الطيب.
2 / عنوان الكتاب ونسبته إلى مؤلفه:
أجمع المؤرخون وأصحاب تراجم الأعلام أن اسم الكتاب هو المٌغرب في حلى المَغرب ، وبخصوص نسبته إلى ابن سعيد، فالكتاب تم تأليفه بالتوارث من قبل ستة علماء من الأندلس، أولهم أبو محمد عبد الله بن إبراهيم الحجاري، الواضع الحجر الأساس لهذا الكتاب من خلال كتاب المُسهب في فضائل المغرب، كان قد صنفه لعبد الملك بن سعيد الذي يعد المؤلف الثاني لكتاب المُغرب، اختصر منه ما لم يوافق غرضه، وأضاف إليه ما غفله الحجاري، ثم خلفه ابناه محمد وأبو جعفر أحمد، اللذان شاركا في تأليف كتاب المُغرب ووسعا من دائرة معلوماته. وأما أبرز شخصية كان لها تأثير كبير في هذا التأليف، فهو موسى بن محمد بن عبد الملك الذي يرجع إليه الفضل في وضع إضافات جديدة، كما أكد ذلك ابنه علي الذي أتم الكتاب وأخرجه في حلته النهائية. وهكذا يكون كتاب المُغرب في حلى المغرب أطول كتاب في مدة تأليفه فاقت 115 سنة.
· عنوان الكتاب:
ورد عنوان الكتاب مسجوعا على عادة القدماء، بطريقة بديعة وبانتقاء ألفاظ مناسبة لموضوع الكتاب، مع توظيف الجناس غير التام بين المُغرب والمَغرب، يحذو في ذلك المؤلف حذو ابن عبد الله محمد الحجاري في كتابه الموسوم بـ المُسهب في غرائب المغرب، الذي انتهى من تأليفه سنة 530 هـ، ويحذو حذو أبي محمد المازني الغرناطي (ت565هـ) في كتابه المُغرب عن بعض عجائب المَغرب، وحذو أبي يحيى اليسع (ت575هـ) في مؤلفه المُغرب في آداب المَغرب، وعلى نهج عبد الواحد المراكشي (ت647هـ) في كتابه المُعجب في تلخيص أخبار المغرب.
والمُغرب هنا جاء بمعنى الغرابة التي قال عنها الدكتور إحسان عباس تعني الجدة المصاحبة للابتكار، أو الجدة المصاحبة لتوليد شيء جديد. (تاريخ النقد الأدبي عند العرب، ص:534).
· موضوع الكتاب :
إن كتاب المُغرب في حلى المغرب لم يؤلفه عالم واحد، بل هم من تأليف ستة من العلماء بالتوارث على مدى مائة وخمسة عشر عاما، وهو منهج جديد في تاريخ تأليف المصنفات حين يبدأ رأس الأسرة بالاهتمام بكتاب المُسهب للحجاري، والزيادة في معلوماته، ويواصل أحفاده من بعده ما استجد في واقع عصرهم إلى أن يأخذ صورته النهائية على يد الحفيد على بن موسى، الذي أخرجه للناس ونشره بينهم في المشرق، ليتعرف المشارقة من خلاله على أدب الأندلس الرفيع، وعلو كعب الأندلسيين في مجال الشعر والنثر من جهة، ومن جهة أخرى للحفاظ على هذا التراث من الضياع، خصوصا بعد اندلاع الحروب الصليبية وسقوط العديد من المدن الأندلسية. وهكذا يكون الكتاب جامعا مانعا لتاريخ الأندلس عبر فترات من الزمن، سياسيا واجتماعيا وحضاريا وجغرافيا وأدبيا، وترجمة واقية حية صادقة لعدد من الأعلام.
· مضمون الكتاب:
يقع كتاب المُغرب في حلى المغرب في جزئين كبيرين، يحتوي الجزء الأول على 468 صفحة، منها ثلاثون صفحة خاصة بمقدمة المحقق، وعشرون صفحة الأخيرة خاصة بفهرس المواضيع، والباقي من الصفحات مخصصة لترجمة 323 علما من أعلام الأندلس، القدامى والمعاصرين للمؤلف.
أما الجزء الثاني فيحتوي على 467 صفحة مذيلة بـ 47 صفحة خاصة بفهارس مواضيع الجزء الثاني، مع فهارس عامة لكل من الجزئين، تشمل الأعلام والأماكن والبلدان والمصادر والمراجع الخاصة بالمحقق، مع صفحات أخرى تتناول 324 ترجمة خاصة بأعلام الأندلس القدامى والمعاصرين، وبذلك يكون مجموع التراجم الواردة في الجزئين معا 647 ترجمة.
وإذا كانت كتب التراجم والطبقات عاد
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ